السيد محمد الصدر
356
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وفّر الله له ظروف الطاعة ، على الرغم من أنَّ العمل صدر باختياره ، لكنّ الله تعالى هيّأ له المناخ المناسب للطاعة من جميع الجهات إلى حدٍّ سقطت طاعته عن القيمة الأخلاقيّة ، فهو سبحانه الذي أعطاني السمع والبصر والمكان والزمان والشمس والقمر وملايين الأسباب ، وحتّى العقل الذي أدرك به ، والأعضاء التي من خلالها أستطيع أن أعبد الله ، والماء الذي أتوضّأ به ، والتربة التي أسجد عليها ، كلّ هذا من الله تعالى . فإذن لا يبقى شيءٌ معتدٌّ به إلّا توجيه الإرادة ، وإلّا ليس هناك شيءٌ آخر ، وهذا كافٍ في نفي الاستحقاق ؛ لأنَّ هذا متناهٍ في إطاعة ربٍّ لا متناهٍ ، ولا نسبة بين المتناهي واللامتناهي ، كما أنَّ الأمر بالعكس في إرادة التمرّد على اللامتناهي ؛ فإنَّها توجب استحقاق العقاب اللامتناهي . وعلى ذلك فلا طاعة لي استحقّ بها الجنّة ، والمعصوم ( ع ) يعترف بذلك ، فضلًا عن غير المعصوم ، فتكون النتيجة أنَّ الرجوع في قوله : ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ لا يكون إلّا بالأمر الإلهي ، والإنسان يثاب بالرحمة الإلهيّة فحسب ، وليس للعمل دخلٌ معتدٌّ به إطلاقاً . نعم ، هناك رواياتٌ « 1 » تؤكّد أنَّ النجاة والفوز مقرونٌ بالعمل معه رحمة ، لكن مع هذا فالعمل إنَّما هو أيضاً برحمةٍ في مرتبةٍ سابقةٍ ، وإلّا لما توفّر لولا الظروف والملابسات . * * * * قوله تعالى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً : ( أيّتها ) مركّبةٌ من عدّة كلماتٍ هي : الياء وتاء التأنيث وهاء التنبيه ،
--> ( 1 ) أُنظر : الصحيفة السجّاديّة : 60 ، الدعاء 10 ، وراجع الباب 10 من أبواب المعاد من بحار الأنوار 242 : 7 - 253 ، الحديث 10 ، وغيره .